مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

69

شرح فصوص الحكم

من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء ) وإنما لزمهم الجهل من هذا الترك لأنهم حصروا التقريب إلى اللّه والعلم به في الأصنام لذلك قالوا : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ [ الزمر : 3 ] فليس في شأنهم عرفان بغير هذه الطريقة فلم يقبلوا دعوة النبي البتة حذرا عن الجهل ( فإن للحق في كل معبود وجها ) وهود اسم جزئي من أسماء اللّه داخل تحت حيطة الاسم الجامع برب ذلك المعبود ( يعرفه ) أي وجه الحق ( من عرفه ) أي الحق وهو مرتبة الكاملين ( ويجهله ) أي الوجه ( من جهله ) أي الحق وهم لا يعرفون الحق ولا الوجه لكنهم قالوا ذلك عن جعل مكرا معه وإنما قال في كل معبود ولم يقل في كل موجود مع أن وجه الحق لا يختص بالمعبود إشارة إلى أن كل موجود معبود إما بشخصه أو بنوعه أو بجنسه فما جاءت في حقهم الدعوة من عبادة الأرباب الجزئية إلى الاسم الجامع . وجاء ذلك ( في المحمديين وَقَضى رَبُّكَ ) [ الإسراء : 23 ] فإن رب محمد هو الاسم الجامع ( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) [ الإسراء : 23 ] أي حكم بالعلم الأزلي أن العبادة في أيّ معبود كانت لا يكون إلا إياه إلى غيره في الحقيقة وإن كان إلى غيره صورة فكانت العبادة في صورة الأصنام إلى اللّه تعالى حقيقة وإلى الأصنام صورة بالنص الإلهي لكن مثل هذه العبادة غير مقبولة عند اللّه بالنص الإلهي كما إن العبادة لا تكون إلا لوجه اللّه تعالى بالنص فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] لكن الصلاة لا يجوز بالنص إلا بالتولي إلى الكعبة فما جاء نوح عليه السلام بمثل هذا الحكم حتى لا يعبد قومه الأسماء الجزئية فإن ربوبية الرب بحسب مربوبه ( فالعالم باللّه ) أي بالاسم الجامع ( يعلم من عبد ) بضم العين ( وفي أيّ صورة ظهر حتى عبد ) فإنه يرى الوجه المطلق أي الاسم الجامع في الوجه الخاص يعبده فيه ، وأما الجاهل فعبادته عن جهله ولا يعلم أيّ شيء يعبده ( و ) يعلم ( أن التفريق والكثرة ) الاسمائية بالنسبة إلى الاسم الجامع وهو قوله : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ [ الإسراء : 110 ] ( كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية ) يعني أن جميع الأسماء والصفات أمور مجتمعة في حضرة الذات الإلهية كاجتماع أجزائنا في صورنا المحسوسة وكاجتماع قوى أرواحنا في صورنا من العقل والوهم والمفكرة وغير ذلك فمن شاهد حضرة الجمع فقد شاهد فيها جميع الأسماء مجتمعة وعبد جميعها من حيث الجمعية لا من حيث الانفراد فإنه لا يصلح أن يكون معبودا فإن كان كثرة الأسماء بالنسبة إلى حضرة الجمع متصلة كأعضائنا لا أمورا منفصلة ( فما عبد غير اللّه في كل معبود ) لأن الأسماء حينئذ عين المسمى من وجه ولا يعرف هذا إلا من عرف الحق بالمشاهدة فإذا كان العبادة في كل معبود إلى اللّه لا إلى غير اللّه تعالى كانت مرتبة العابدين متفاوتة ( فالأدنى ) أي فأدنى العابدين مرتبة ( من تخيل ) بالبناء للفاعل ( فيه ) أي في معبوده ( الألوهية ) يعني لا يعلم يقينا أنه مظهر للاسم الإلهي ولا يصدق أنه إله بل تخيل ( فلو لا هذا التخيل ما عبد الحجر ولا غيره ) إذ لا سبب للعبادة لمثل هذا غير التخيل لأنه جماد لا تأثير له بشيء